آراء ومقالات

صقور الجديان.. انكسار النتيجة و شموخ الصمود في حضرة الغياب .!

بقلم/ نجلاء نورين

في ليل السودان الذي تطاولت أستاره، وبين مرارة الفقد وبصيص الأمل خلف غيوم المواجع، خطّ منتخبنا الوطني فصلاً استثنائيًا من فصول التضحية. لقد ودّع الصقور البطولة الأفريقية من بوابة السنغال، لا ليعلنوا انكسار الراية، بل ليرسموا “ملحمةً من نور” في عتمة الواقع المرير. لم تكن الهزيمة بثلاثيةٍ مجرد لغة أرقام صماء، بل كانت صدمةً بحجم “العشم” الذي تسلل خلسةً إلى قلوب الملايين، أولئك الذين فرقتهم دروب النزوح و اللجوء والشتات، وجمعهم نبض القميص الواحد.

لقد بدأت الموقعة ببريقٍ فنيٍّ خطف الأنفاس، صاغه الموهوب عامر عبد الله بهدفٍ “عالمي”؛ قذيفةٌ لم تستقر في سقف المرمى السنغالي فحسب، بل استقرت في وجدان شعبٍ جاعَ طويلاٰ للفرح. هدفُُ استفز فينا حماساً كاد أن يتبخر، وأيقظ فينا طموحاً لجمناه طويلاً نسبة لسنن الواقع و منطق الظروف أمام خصمٍ عالمي متمرس.!
قبل الصافرة، كانت الحسابات تضعنا في خانة الترقب الحذر، لكن ذلك البريق الذي أشعله عامر عبد الله قلب موازين الوجدان؛ فصار السوداني المتعب من ويلات حربٍ تقترب من عامها الثالث، يرى في أقدام هؤلاء الفتية خلاصاً مؤقتاً وانتصاراً رمزياً على أقدار القهر و السهر و السفر الغلاب و حمى الغياب و البعد المر عن التراب..

لقد تسامى هؤلاء الفتية فوق طاقتهم، وقاتلوا بصدورٍ مثقلة بأحزان الوطن الممزق المكلوم. تجاوزوا رهق الأبدان وتشتٌُت الأذهان في ملاعب “الغربة” التي فرضها عليهم اللجوء، متحدين انعدام البيئة وأدوات الإعداد؛ ليبرهنوا أن “الجود” في سبيل الوطن لا يتقيد بالموجود، بل هو عطاءٌ يفيض عن الممكن حين تتمازج الروح بالشعار.!

وعلى الرغم من أن المنطق الكروي فرض كلمته في الختام، واستعادت السنغال زمام المبادرة، إلا أن الحقيقة هي أن الخسارة لم تنل من هيبة الصمود. خرجنا من البطولة، نعم، لكننا خرجنا بجباهٍ عالية، ممتنين لمنتخبٍ “اجترح” المعجزات، وقارع العمالقة و الجبابرة حتى النفس الأخير، ليمنح شعبه “جرعة أكسجين” في زمن الاختناق الوطني الحاد.

تحيةً لصقور الجديان، الذين حلقوا فوق ركام الخيبة ليستلّوا لنا من عتمة الانكسار قبساً من نور في زمن التبلٌُد الذي فرضته المأساة !

سلامُُ على صقور الجديان، و قد جاءت أقدامهم لتعيد صياغة التاريخ في زمن الحرب؛ محولين الساحات الحزينة إلى رسائل حبٌٍٍ وحياة لوطنٍ ينزف، باعثين الروح في وجدان شعبٍ ظنَّ أنَّ الحزن قد أطفأ جذوته إلى الأبد.!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى