الدوحة ترسم لوحة المجد: “إكسون موبيل” المفتوحة.. حين تشرق شمس التنس من قطر..

بقلم/ نجلاء نورين
بطولة الجمال والاتقان، وبطولة الجمهور والنجوم، وبطولة “قطر التي لا تعرف المستحيل”..

لطالما كانت الدوحة عاصمة للرياضة العالمية، لكن ما شهدناه في النسخة الأخيرة من بطولة أكسون موبيل المفتوحة للتنس كان تجسيداً حياً لـ “الاتقان” في أبهى صوره. لقد نجحت قطر، كعادتها، في تحويل ملاعب مجمع خليفة الدولي للتنس والإسكواش إلى مسرح عالمي، لا يقل هيبة ولا تنظيماً عن بطولات الـ “جراند سلام” الأربع الكبرى، بل ربما تفوق عليها في لمسة الحفاوة والبهجة التي تغلف كل تفاصيل الحدث.
كان السر وراء هذه النسخة الاستثنائية يكمن في “الجاذبية”؛ فالبطولة استطاعت استقطاب قطبي التنس العالمي الجديد، البطلين الشابين اللذين أعادا صياغة خريطة الكرة الصفراء: الإسباني كارلوس ألكاراز والإيطالي يانيك سينير. وجود المصنفين الأول والثاني عالمياً على أرض الدوحة أعطى البطولة ثقلاً فنياً لا يضاهى، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مدرجات الملاعب التي غصت بالجماهير.
لقد تضاعفت أعداد الحضور الجماهيري مقارنة بالنسخ السابقة، حيث توافدت العائلات وعشاق الرياضة من كل حدب وصوب لمشاهدة صراع الأجيال وبراعة الشباب. هذا التوافد لم يكن لمشاهدة التنس فحسب، بل للاحتفاء بالروح الرياضية في مدينة باتت تعرف كيف “تُدلل” زوارها وتمنحهم تجربة بصرية وتنظيمية تفوق التوقعات.
كان الحلم الجماهيري الذي سيطر على أحاديث المجالس وفي أروقة الملاعب هو رؤية “نهائي الأحلام” بين ألكاراز وسينير. كان الجميع يترقب تلك المواجهة التي تُمثل ذروة الفن والجمال في عالم التنس. إلا أن المفاجآت هي ملح هذه الرياضة؛ فقد تعثر الإيطالي يانيك سينير في الأدوار الإقصائية ولم يوفق في الوصول للمحطة الأخيرة، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام “الماتادور الصغير” ألكاراز ليفرض هيمنته المطلقة.
وفي المقابل، كان الشاب الفرنسي المغامر آرتور فيس هو مفاجأة البطولة السارة، حيث شق طريقه بجرأة وعزيمة حتى وصل للنهائي. لكنه اصطدم بقطار ألكاراز الذي لم يعرف الرحمة؛ فقد قدم النجم الإسباني عرضاً تكتيكياً وفنياً مذهلاً، سيطر على مجريات اللقاء من البداية حتى النهاية، ليتوج بلقب البطولة بسيادة فنية مطلقة لم تترك مجالاً للشك في أحقيته بالتربع على عرش التنس العالمي. ورغم غياب سينير عن النهائي، إلا أن أداء ألكاراز جعل من اللوحة الفنية تكتمل ببراعة فردية قل نظيرها.
لقد كان النهائي تظاهرة وطنية ودولية كبرى. زاد من فخامة الحدث وعظمته تشريف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى والذي يولي الرياضة اهتماماً خاصاً، وحضور سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيس المجلس الأولمبي الآسيوي
رئيس اللجنة الأولمبية القطرية والذي توج الأبطال، وسعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، وسعادة ناصر الخليفي، رئيس الاتحاد القطري للتنس، هذا الحضور الرفيع يعكس مدى الأهمية التي توليها دولة قطر لهذه البطولة، ويضعها في مصاف الأحداث التي تبرز وجه قطر الحضاري.
كما حضر الحفل الختامي مدير عام شركة “أكسون موبيل” نيل شابمان ومدير “أكسون موبيل قطر” السيد طاهر حميد، تقديراً للشراكة الاستراتيجية الناجحة التي جعلت من هذه البطولة علامة مسجلة في عالم التميز. إن وقوف هؤلاء القادة والمبدعين في “شرفة” الملعب أعطى انطباعاً بأن البطولة ليست مجرد تنافس رياضي، بل هي ملتقى للإبداع والإتقان، والاحتفاء بالنجاح المشترك.
ومع إعلان النقطة الأخيرة وتتويج ألكاراز بطلاً للنسخة، لم ينتهِ المشهد عند هذا الحد. بل انطلقت احتفالية ضخمة تم التخطيط لها بدقة متناهية. العروض النارية التي أضاءت سماء الدوحة ما كانت مجرد شرارات ملونة، بل كانت قصائد من ضوء، رسمت لوحات جمالية خطفت الأنظار وحبست الأنفاس.
لقد امتزجت أصوات التصفيق بفرقعات الألعاب النارية التي عانقت أبراج الدوحة، في مشهد بديع جعل الحضور يشعرون بأنهم جزء من فيلم سينمائي طويل عنوانه “الإتقان القطري”. كانت تلك اللحظات هي المكافأة الحقيقية للجمهور الذي حضر، و كانت هي الرسالة التي بعثت بها الدوحة للعالم: “نحن لا ننظم بطولات، نحن نصنع ذكريات لا تُنسى”.
إن بطولة أكسون موبيل المفتوحة للتنس هذا العام أثبتت أن الدوحة لم تعد مجرد محطة في جدول اللاعبين المحترفين، بل أصبحت الوجهة التي يطمح الجميع للتتويج فيها. بفضل الرؤية الحكيمة، والعمل الدؤوب، والقدرة على استقطاب نجوم مثل ألكاراز وسينير، استطاعت البطولة أن تحجز لنفسها مكاناً فريداً يتجاوز البطولات الكبرى في “التفاصيل الصغيرة” التي تصنع الفارق الكبير.
نعم، لقد كانت بطولة الجمال والاتقان، وبطولة الجمهور والنجوم، وبطولة “قطر التي لا تعرف المستحيل”..




