
خالدة البحر
سقط الهلال في ملعب”كامينا” بثلاثية قاسية أمام موكورا، في ليلة غابت عنها الكاميرات وحضر فيها التخبط، لتكشف أن أزمة الأزرق الحالية أعمق من مجرد “نتيجة عابرة”. ما حدث لم يكن مجرد ضياع ثلاث نقاط، بل كان نتاج “توليفة” من العناد الفني، والتبديلات العشوائية، وعدوى الاستهتار التي انتقلت من دكة البدلاء إلى عشب الملعب، لتضعنا أمام “سيناريو اللفة الأخيرة” الذي أضاع أحلامنا سابقاً.
لغز “الطيب عبد الرازق”.. مَن الذي سجل الهدف “الشبح”؟
في واحدة من أغرب اللقطات التي لا يمكن وصفها بالفنية بل هي “سقطة إدارية وإعلامية” بامتياز، عاش جمهور الهلال حالة من التوهان الرقمي؛ فبينما “طمأنت” صفحة الهلال الرسمية القاعدة الجماهيرية باستبدال المدافع الطيب عبد الرازق مع بداية الشوط الثاني، صدمنا الواقع (وتقارير الدوري الرواندي) بأن اللاعب “المستبدل” سجل هدفاً عكسياً في الدقيقة 72!
وهنا يبرز السؤال المرعب: كيف يسجل لاعب “خارج الملعب” هدفاً في مرماه بعد خروجه الافتراضي بـ 27 دقيقة؟ هل وصلت الفوضى في دكة البدلاء لدرجة أن أحداً لم يعد يعرف مَن خرج ومَن بقي؟ أم هي محاولة “تغطية إعلامية” بائسة لإخفاء انهيار الخطوط الخلفية؟ هذا التضارب يثبت أن “التوهان” امتد من الميدان ليصل إلى غرف إدارة المنصات الرسمية.في ظاهرة تعكس فقدان التركيز الذهني التام والشرود الذي يسبق العواصف الأفريقية.
“القتل الفني” وعقوبة البدلاء
وبناءً على تكرار ذات المشهد العبثي في مباريات سابقة؛ يبدو أن ريجيكامب لا يزال يمارس هواية “وأد” خطورة لاعبيه بالإصرار على قوالب تكتيكية أثبتت فشلها. فإبعاد (صنداي) عن الصندوق ونفيه للأطراف، ووضع (فلومو) “التائه” كرأس حربة وحيد، هو انتحار تكتيكي وتكرار لسيناريو محبط. لماذا يصر المدرب على تحويل مخالب الهلال الهجومية إلى أسلحة “أليفة” أمام خصم يملك الجرأة؟لماذا الإصرار على “الفشل المجرب”؟ ولماذا يُصر المدرب على وأد مهارات لاعبيه بوضعهم في “قوالب” تكتيكية لا تناسب قدراتهم؟ .ولأن المصائب لا تأتي فرادى، جاء الزج بأسماء عائدة من المرض والغياب (فوفانا، بوغبا، وأبويلا) دفعة واحدة بمثابة “محرقة” لا فرصة، مما أفقد الفريق “الرتم” وجعلنا نستقبل هدفين في 6 دقائق فقط (26 و32)، حيث تحول الوسط إلى “ممر آمن” لهجمات الخصم، وغاب القائد الذي يربط الشتات الأزرق.
فخ “الأعذار” وتخدير الروح القتالية
إن تصريحات ريجيكامب بأن “الصيام قد يقتل اللاعبين” كانت بمثابة “صك براءة” مسبق للاعبين في حال التعثر. في علم النفس الرياضي، عندما يُصدّر القائد الأعذار، فإنه يغتال الروح القتالية؛ فاللاعب يدخل الميدان وهو يشعر بالشفقة على نفسه بدلاً من التحدي. لقد غابت الشراسة، واختفى “القائد” الذي يضبط الإيقاع، ليعيش الفريق حالة من “الارتجال الفني” وغياب المنهجية، تركت الدفاع مكشوفاً تماماً أمام مرتدات خصم يحترم الميدان.في مشهد بات مكررا بالكربون في مباريات الهلال.
متلازمة “الأهداف العكسية”.. شرودٌ ذهني أم ضغطٌ نفسيّ؟
والأدهى من ذلك، أن مسلسل “الهدايا العكسية” أصبح عرضاً مستمراً يثير الريبة؛ فبعد “نيران إرنق الصديقة” أمام رايون سبورت، جاء الدور في ظرف أيام على (الطيب عبد الرازق) — الموجود جسداً والمغيب اسماً في تقارير النادي — ليسجل في مرماه. هذا التكرار في مباراتين متتاليتين ليس صدفة، بل هو جرس إنذار لـ “هشاشة نفسية” وشرود ذهني يعاني منه المدافعون نتيجة التغييرات المستمرة وغياب الانسجام.
والأسوأ من الخطأ نفسه كان “رد الفعل”؛ ففي الوقت الذي استبشرنا فيه خيراً بتقليص (إيبويلا) للفارق، انهار الفريق واستقبل الثالث فوراً (بعد 6 دقائق فقط)، في مشهد يعكس ضياع “الشخصية القيادية” وعجز المنظومة عن الصمود تحت الضغط. هذا الانهيار يفتح الباب مجدداً للمطالبة بـ (المعد النفسي)؛ تلك الحاجة الملحة التي لا تزال الإدارة تتبع تجاهها سياسة “الأذن الصماء”، ممعنةً في تجاهل النداءات المتصاعدة لترميم نفسية اللاعبين قبل الدخول في معترك المجموعات الأفريقية.
كواليس “العصبية” وصراع (الخانات الشاغرة)
ثمة تساؤلات مشروعة حول “عصبية” ريجيكامب المفاجئة؛ هل هي ضغط بسبب مفاوضات التجديد؟ أم هي “احتجاج صامت” على عدم تلبية طلباته الفنية في سوق الانتقالات؟ فالرجل طلب “جاهزية فورية” في خانات الظهير الأيسر والوسط الدفاعي (وهما الثغرتان اللتان ينزف منهما الهلال حالياً)، ولم يجد سوى أسماء واعدة تحتاج لوقت للتأقلم، بينما هو يحتاج لـ “حلول ناجزة” لدوري الأبطال. هذا التوتر، مضافاً إليه رفضه القاطع لعودة “المساعد الوطني”، خلق حالة من “العزلة الفنية” التي جعلت المدرب ينفرد بقراره. ومن المؤلم أن نرى مجهودات الإدارة التي تصرف المليارات في ظل ظروف البلاد القاسية، تتهدم في الأمتار الأخيرة بسبب غياب “التناغم” بين رؤية المدرب وواقع التسجيلات، وأشياء أخرى.
ختاما:
الهلال في كامينا لم يخسر مباراة، بل خسر “هيبة” وأطلق جرس إنذار داوٍ. كفانا ترديداً لفرية أن الدوري الرواندي “مجرد إعداد”، فالبطل لا يستعد للمعارك الكبرى بـ “تجرع الهزائم” وكسر المعنويات. الـ 13 يوماً القادمة هي (اختبار إرادة) لمجلس الإدارة؛ فالهلال لا يحتاج الآن لمعجزات، بل يحتاج لـ (قبضة حديدية) تضبط فوضى التصريحات وتُعيد الانضباط الفني، وتُذكّر الجميع بأن قميص الهلال أمانة لا تقبل (المناورة) أو الاستهتار. إما وقفة مكاشفة صريحة تعيد الهيبة، أو الدخول في معمعة الأبطال بـ “نفس مكسورة”.. والجمهور لن يرحم أحداً إذا ضاع الموسم في زحام العناد والأعذار.





