من عبث بإعدادات التنس؟

“ماجا تشوالينسكا” تُعيد كتابة التاريخ من قاع الاكتئاب إلى نهائي رولان غاروس…
بقلم/نجلاء نورين
تحت سماء باريس، وفي واحدة من أكثر النسخ إثارة وغرابة في تاريخ بطولات الغراند سلام، يبدو أن كرة التنس قررت هذا العام أن تخلع ثوب المنطق تماماً. إن نظرت إلى جدول نهائيات رولان غاروس 2026، ستصيبك دهشة مربكة؛ هناك لاعبة بولندية في نهائي السيدات ولكنها ليست إيغا شفيونتيك، وهناك لاعب إيطالي في نهائي الرجال ولكنه ليس يانيك سينر!
لكن الحكاية الأكثر سحراً وإلهاماً في هذه البطولة، تسطرها بلا شك البولندية ماجا تشوالينسكا (المصنفة 114 عالمياً)، التي لم تكتفِ بمفاجأة المتابعين، إنها حقاً “عبثت بإعدادات اللعبة” وكتبت فصلاً أسطورياً سيتذكره تاريخ التنس طويلاً.
أن تصل لاعبة من الأدوار التمهيدية، من التصفيات إلى المباراة النهائية في بطولة كبرى، هو أمر أقرب إلى المعجزات الرياضية. تشوالينسكا باتت اليوم ثاني لاعب أو لاعبة (رجالاً أو سيدات) في العصر المفتوح يحقق هذا الإنجاز التاريخي من بوابة التصفيات، لتعيد إلى الأذهان ملحمة البريطانية إيما رادوكانو في أمريكا المفتوحة 2021. ولم تقف الأرقام القياسية عند هذا الحد؛ أصبحت البولندية الواعدة ثالث لاعبة في العصر المفتوح تبلغ أول نهائي في مسيرتها الاحترافية على مستوى رابطة المحترفات (WTA) عبر بوابة الغراند سلام مباشرة. هذا الإنجاز جعلها تنضم إلى قائمتين من أساطير اللعبة؛ الأولى بجانب فينوس ويليامز (أمريكا المفتوحة 1997) وإيما رادوكانو (2021) كلاعبات بلغن النهائي الكبير الأول في مسيرتهن مباشرة، والثانية كأول مشاركة لها بالجدول الرئيسي في باريس لتسير على خطى إيفون غولاغونغ (1971) وكريس إيفرت (1973). كما أعادت إحياء تنس “اليسار الساحر” لتصبح رابع لاعبة تلعب باليد اليسرى تصل لنهائي البطولة منذ عام 1990، متتبعة خطى مونيكا سيليش، لوسي سافاروفا، وماركيتا فوندروسوفا.
ولكن، خلف هذا البريق الأسطوري والأرقام القياسية التي تُكتب بمداد من ذهب، ثمة وجه آخر كالح تخفيه الملاعب الفاخرة؛ وجهٌ يتحدث بلغة الأرقام المادية الصعبة للاعبي الصف الثاني في التنس. فتشوالينسكا، التي جمعت طوال مسيرتها الاحترافية الممتدة قرابة 864 ألف دولار، ضمنت في هذه البطولة وحدها الحصول على 1.62 مليون دولار كجائزة وصيفة البطلة على الأقل! هذه القفزة المالية الجنونية حملت في طياتها مفارقة طريفة ومؤثرة؛ فبما أن اللجنة المنظمة لا تصرف الجوائز المالية للاعبين إلا بعد إسدال الستار على البطولة، عجزت ماجا عن تغطية تكاليف فندق إقامتها في باريس كلما تقدمت في الأدوار، ولم ينقذها من هذا المأزق المالي المؤقت إلا تدخل شركة (OSHEE) البولندية الراعية التي تكفلت بدفع بقية النفقات لتمكينها من التركيز على مضربها.
الانتصار الأكبر.. هزيمة الاكتئاب
رغم بريق الأرقام والجوائز، فإن القيمة الحقيقية لحكاية تشوالينسكا تكمن في جانبها الإنساني. هذه اللاعبة المتواضعة تجاوزت من الصعاب ما لا تطيقه الجبال؛ فقبل فترة ليست بالبعيدة، خاضت معركة شرسة ومظلمة مع مرض الاكتئاب، اضطرت على إثرها إلى تعليق مضربها لسنوات والابتعاد عن عالم التنس من أجل حماية صحتها النفسية، وسط شكوك هائلة حول قدرتها على العودة للرياضة يوماً ما.
اليوم، وقفت ماجا في باريس شاهداً حياً على أن السقوط ليس نهاية القصة. من قاع المعاناة النفسية والمادية، ومن عتمة غرف العلاج، شقت طريقها بضربات يسارية ساحرة لتسلط عليها أضواء ملعب فيليب شارتريه.. مساء اليوم، حيث دخلت ماجا تشوالينسكا أرض الملعب وعينها على الكأس، ورغم خسارة النهائي إلا أنها أثبتت للعالم أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن التاريخ لا يكتبه المصنفون الأوائل دائماً، إنما يكتبه أولئك الذين امتلكوا الشجاعة للعودة من بعيد.




