الهلال في معقل “البركان”: تفوق فني.. شوائب مزمنة.. وانتصار ضائع في “زحام” الأخطاء!

موجة بحر .. بقلم خالدة البحر
رغم عودة الهلال بتعادلٍ ثمين بحسابات ذهاب وإياب ربع النهائي، وعطفاً على الملحمة الكروية التي قدمها “الأقمار” في قلب المغرب، إلا أننا نقولها بملء الفم: كان بالإمكان الظفر بالنقاط الثلاث والعودة ببطاقة التأهل في الجيب. فرغم الأداء المميز والمنضبط في أغلب فترات اللقاء، إلا أن المباراة كشفت عن “شوائب مزمنة” وهنات متكررة لا تزال تطل برأسها في المواعيد الكبرى، وهي ما سنتناوله بالتشريح في هذا التقرير الشامل:
1. داء “الأنانية”: عندما يغيب الجماعي ويحضر “الأنا”
ما زالت “الأنانية المفرطة” هي الهاجس الأكبر والشوكة في خاصرة الهلال؛ ففي الوقت الذي كان يحتاج فيه الفريق لـ “رصاصة الرحمة” لقتل المباراة، فضّل كوليبالي وجان كلود الحلول الفردية على التمرير المضمون لزملاء في وضعيات أفضل. هذه الأنانية أهدرت انتصاراً تاريخياً بعدد وافر من الأهداف كان سيجعل لقاء الإياب مجرد “نزهة”. لقد حذرنا من هذه الظاهرة حتى بحّ صوتنا، ولكنها لا تزال تحرم الهلال من حسم مباريات كانت في المتناول.
2. فك الارتباط: حصار “جان كلود” وتحرر “كوليبالي”
خضع جان كلود لرقابة صارمة في البداية شلت حركته، لكن التألق اللافت لـ كوليبالي أجبر مدرب بركان “معين الشعباني” على إجراء استبدال مبكر في الشوط الأول لإيقاف خطورته، مما سحب العيون نحو كوليبالي وفك الحصار عن جان كلود في الشوط الثاني ليتألق ويصول ويجول، لكنه للأسف سقط مجدداً في فخ “الأنانية” التي بحّ صوتنا ونحن نُطالب بمعالجتها.
3. أين “القائد الشرس”؟.. ودروس في “الشفتنة” الكروية
افتقد الهلال في الميدان لـ “القائد الشرس” الذي يُمارس “الشفتنة” المشروعة للضغط على الحكم. رأينا كيف استمات لاعبو بركان لانتزاع ركلة جزاء، بينما وقف لاعبو الهلال “مسالمين” أمام مخالفات عنيفة ضد روفا وكوليبالي وماديكي. والمؤلم حقاً هو رؤية لاعبي الخصم وهم يستفردون بنجوم الهلال لجرّهم لدوامة الاستفزاز، وفي تلك اللحظات يغيب الدعم الجماعي؛ حيث لا يجد لاعب الهلال المؤازرة المطلوبة من زملائه، عكس لاعبي الخصم الذين نجدهم يحيطون باللاعب المستهدف “إحاطة السوار بالمعصم” لترهيبه والتأثير على الحكم. لو وجد الحكم ضغطاً حقيقياً للمطالبة بالرجوع إلى (الڨار) في تلك اللقطات، لربما تغير مجرى المباراة بطرد لاعب مغربي، ولكن “مثالية” لاعبينا الزائدة أضاعت حقوق الفريق.
4. عاصفة “البطاقات الحمراء”: غياب الانضباط ودور دائرة الكرة
ظاهرة البطاقات الحمراء أصبحت “لازمة” غير محببة للاعبي الهلال في المواعيد الكبرى، وما حدث مع إيبويلا هو جرس إنذار متكرر. هنا نتساءل بوضوح: أين دور دائرة الكرة في الضبط والربط؟ وأين التهيئة النفسية والإعداد الذهني؟ تكرار حالات الطرد والإنذارات المجانية يشير إلى خلل في تجهيز اللاعبين للثبات الانفعالي. اللاعب المحترف يجب أن يتعامل مع الاستفزاز بذكاء لا بتهور يكلف الفريق غيابات مؤثرة.
5. “المعد النفسي”: المفقود الأكبر في غرفة الملابس
ظهر جلياً غياب المعد النفسي في الدقائق الأخيرة؛ قلّة التركيز، الانفعال الزائد، والتوتر الذي صاحب ركلة الجزاء كلها شواهد على هشاشة الإعداد الذهني. الهلال يحتاج لمن يضبط “ترومومتر” الهدوء، خاصة كوليبالي الذي ينجرّ سريعاً لـ “النرفزة” وردود الفعل، وهو سلوك تكرر كثيراً ويستوجب وقفة حازمة من الجهاز الفني.
6. ريجيكامب.. “عبقرية” البداية و”ألغاز” الخواتيم
القراءة الممتازة: يُحسب لريجي قراءته التي جعلت الخصم يرتبك ويخرج من جو المباراة بعد هدف السبق.
لغز فوفانا: تبديل محيّر! كيف يُدفع بـ فوفانا (المركون بشهور) في مباراة بهذا الحجم؟ كان الأجدر إعداده في مباريات الدوري الرواندي، لكن الدفع به وهو فاقد لحساسية المباريات كان مخاطرة غير مبررة.
الكرات العالية: من غير المنطقي لعب كرات هوائية طويلة لـ الغربال أمام مدافعين عمالقة؛ فكانت تعود مرتدات سريعة. الأجدي كان التمرير القصير الممرحل.
7. كواليس تكتيكية: لغة الأرقام “الصادمة”
فخ الاستحواذ (33%): هذا الرقم يفسر “نهج” الفريق في النهاية؛ فالركض خلف الكرة لـ 60 دقيقة يستنزف التركيز.
مناورة الشعباني: مدرب بركان صحح وضعه وحوّل طريقته لـ (4-4-2)، بينما تأخر ريجيكامب في الرد التكتيكي.
غياب “الرئة”: خروج ولي الدين بوجبا أحدث فجوة كبرى في الربط بين الخطوط، وبخروجه استباح بركان منطقة الوسط تماماً.
8. لوحة الوفاء: شكراً جاليتنا الصابرة
لا يفوتنا في هذا المقام أن نرسل باقات الشكر والتقدير لـ الجالية السودانية التي كانت حاضرة في المدرجات المغربية؛ فكان حضورهم مميزاً، زلزلوا به جنبات الملعب هتافاً ودعماً للاعبين رغم جراح الغربة والوطن. هذه الوقفة القوية كانت السند الحقيقي للأقمار، وأثبتت أن الهلال وطنٌ يسكن في قلوب بنيه أينما حلّوا.
ختاما:
مباريات خروج المهزوم تُحسم بـ التفاصيل الدقيقة. الهلال تقنياً هو الأفضل، لكنه ذهنياً وتكتيكياً في الدقائق الأخيرة يحتاج لـ “وقفة حزم”. العبور في كيجالي يتطلب قلوباً شجاعة، وعقولاً هادئة، وقائداً يعرف كيف ينتزع حق الفريق من الصافرة ومن قلب الميدان!




